تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ

فلايمير سولوفيوف، استرداد الأندلس وتقدم التاريخ: لماذا كان سولوفيوف مع الحروب الصليبية؟

بقلم فادي أبو ديب

(1)

في عمله الأخير “الحرب والتقدم ونهاية التاريخ: ثلاث محاورات” يقدّم الفيلسوف الروسي فلاديمير سولوفيوف (1853-1900) على لسان بطله “السيد ز” أطروحة قوية لمناصرة الحرب ضمن شروط ومعايير دقيقة، مقدِّماً معارضة مباشرة لموقف الكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي وتلاميذه المناهض كلياً للحرب.  ولحسن الحظّ فإنّ آراء سولوفيوف هذه يمكن أن نجدها ملخَّصة في عمل آخر من نفس الفترة تقريباً، وهو “رسائل يوم الأحد”، في عدد من الرسائل المُعنونة باسم “نيميسيس” وهو اسم إلهة الانتقام الإغريقية.  في أولى هذه الرسائل يعرض سولوفيوف حالة الإمبراطورية الإسبانية الآفلة في أيامه وهزيمتها أمام الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الكاريبي.  وبنظر سولوفيوف فإنّ أفول الإمبراطورية الإسبانية يعود إلى أنّها حوّلت الحرب إلى وظيفة دائمة ولم تعد حرباً دفاعية عن العالم المسيحي كتلك الحرب التي أنهت فيها مرحلة العصور الوسطى الأوروبية بإنهاء الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية وظهورها كقوة عظمى أوروبية ذات تأثير على كافة أنحاء أوروبا الغربية.

يرى سولوفيوف في انتصار الإسبان على الحكم الإسلامي لإيبيريا علامة تاريخية على زوال المهمة التاريخية للإسلام في تلك المنطقة من العالم على الرغم من كون المسلمين في ذلك الزمن أكثر حضارة من الأوروبيين.  وعن هذا الأمر يشرح قائلاً:

“نعترف بأنّه حتى القرن العاشر أو الثاني عشر كان المسلمون قد حصّلوا مستوى ثقافياً يتفوق على مستوى المسيحيين في إسبانيا وغيرها من الأماكن؛ ولكن إذا كانت إسبانيا قد تحولت إلى فردوس إسلاميّ هل كان الأيبيريون سيكتشفون أمريكا؟  هل كانوا سينتجون رواية ثرفانتس [دون كيشوت] ودراما كالديرون، ناهيك عن فن الرسم الإسباني؟  لا يمكننا أن نقسّم حياة الشعوب والبشر كما نقطّع ديدان الأرض؛ فالبرجوازي الأكثر تفاهة في ستراتفورد-على- آفون الذي يبلغ من العمر ثلاثين عاماً أكثر ذكاءً وثقافة من شكسبير في عمر الثلاث سنوات؛ والحصان البالغ الاعتيادي، وخاصة إذا كان حصاناً عربياً، أكثر ذكاءً من أي طفل بشريّ رضيع…لا أريد قطعاً أن أهين المسلمين.  إنني أعترف طواعية بكل ما هو صالح في الإسلام، كما أعترف بالدور الإيجابي الذي لعبه في الماضي والدور الهام الذي سوف يلعبه ضمن جزء معين من الإنسانية.  ولكنه كان سيكون من الكارثيّ لو تحالف الجزء الفاعل من العالم المسيحي مع الإسلام في القرون الوسطى؛ وهي لحسن الحظ كارثة مستحيلة، والتي كانت لتشكل نفياً مباشراً لمعنى التاريخ العالمي”.

وفي عمل آخر عن الإسلام يقدّم سولوفيوف اعتراضاته على الإسلام، والتي يمكن اختصارها بعبودية الإنسان المطلقة لله والانفصام بين ما هو إلهي وما هو إنساني، بحيث لا يوجد أي سبيل لاتحاد جوهريّ إلهي إنسانيّ فيه، بحيث تبقى الفجوة بين الخالق والمخلوق واسعة ولا إمكانية لردمها. (يمكن الاستماع إلى تفصيل هذا الأمر من خلال المحاضرة التالية بجزأيها الأول والثاني).  ومع ذلك فهو يعتقد أنّ للإسلام دور تربويّ هام في مرحلة الطفولة الروحية التي تعيشها بعض مجتمعات العالم في زمنه، بحيث يشكّل ما يشبه الحليب المغذّي والمفيد، بوصفه مرحلة تمهيدية لما هو أكثر عمقاً وعلواً من الناحية الروحية التي تتجلى في تقدم التاريخ.  وهنا تبرز النظرة التقدمية للتاريخ التي ورثها سولوفيوف عن المثالية الألمانية عند هيغل وشيلينغ، بالإضافة للإرث المسيحي التقدمي المتمثّل بوضوح بالنظرة المسيحية التقليدية للعهد الجديد بوصفه كشفاً إلهياً يتقدم عن ذاك الموجود في كتب العهد القديم، ومن حلال القراءة المسيحية التقدمية لكتب العهد القديم نفسه من التوراة حتى آخر الأنبياء.

وعلى أية حال فسولوفيوف يرى أنّ من واجب أوروبا أن تواجه الإسلام المحارب أو الجهادي l’islam guerrier بقوة السلاح.  ولكنه سرعان ما يحذر إلى أنّ هذه المواجهة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أمراً في غاية الأهمية، وهي أن تكون الحرب دفاعية و”بروح المسيح”، مستشهداً ببعض الأحداث من التاريخ الروسي والحروب التي قادها الروس ضد الاحتلال التتاري.  ولهذا كانت الحروب الإسبانية ضد الوجود الإسلامي في أيبيريا والحروب الصليبية بالإضافة للهجوم الروسي المضاد على الاحتلال التتاري لموسكو في نظره مهمة تاريخية للأوروبيين لخدمة الإنسانية جمعاء، حيث تشكلت من جرائه أربعة أمم ناشئة خلال نهايات العصور الوسطى، وهي روسيا في الشمال الشرقي التي تصد الجموع البربرية المغولية-التتارية؛ البولنديون مع روسيا الجنوبية (ولعله يقصد أوكرانيا) بالإضافة إلى المجر والكروات، والذين سجنوا العثمانيين في البلقان وكارباثيا ومنعوا استمرار تقدمهم داخل أوروبا، بالإضافة إلى إسبانيا في الجنوب الغربي من القارة الأوروبية، والتي قاومت إغراء الحضارة الأرفع في ذلك الزمن في سبيل تحرير الأرض المسيحية [هل هي كذلك؟] من الإسلام. 

(2)

لا يجيب سولوفيوف عن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا كان يجب على إسبانيا أن تقاوم الحضارة الأرفع في ذلك الزمن؟  ألا يعطي هذا الأمر نفس الحقّ لمن يقاوم الحضارة الأرفع في كل زمان ومكان، كالأصوليين اليوم مثلاً؟  يمكن الإجابة على هذين السؤالين بالتوجه إلى معرفة ما يعتقده سولوفيوف بخصوص التاريخ: الثقافة الرفيعة ليست هي الهدف الأسمى للتاريخ، إذا فهمنا الثقافة بمعنى الإتيكيت والعلوم التقنية وحسن المظهر.  الأولوية التاريخية هي للحقيقة، والحقيقة في نظره هي روحنة المادة والطبيعة والاتحاد الإلهي-الإنساني، المرتكز في مركزية المسيح في التاريخ.  ولكن أليس هذه المنهجية هي منهجية القراءة التاريخية لجميع الأصوليين والأيديولوجيين على مرّ التاريخ؟  لا يبدو الأمر كذلك، فسولوفيوف لا يعتقد بوجود دولة باطشة تحكم على ضمائر الناس أو في أساليب عيش حياتهم اليومية؛ فالمجتمع الروحي الذي يؤمن به ويمثل اتحاد الإنسان والله في إلهية-إنسانية يتجلى في شفاء الإنسان وإنهاء كل أشكال تحديد المطلق وحبسه ضمن شكل تاريخي محدود، ضمن دولة وديانة تفرض من فوق تضطهد الإنسان وتطبق عليه العقوبات الجسدية القاسية.  في نظر سولوفيوف تظهر الكنيسة بوصفها المجتمع المدني-الروحي الذي يخلّص الإنسان من عبودية الدولة- الدولة النمرودية، إن صح التعبير، التي رأى الإنسان أمثلة لها في بابل وروما وبيزنطة مثلاً.  في الكنيسة التي تشمل بنظر سولوفيوف الإنسانية بأسرها يتحرر الإنسان من العبودية للجبروت البشري ويتحد السياسيّ بالروحيّ في “ثيوقراطية حرّة” لا يُستعبد فيها الإنسان لا للجماعة ولا للدولة، والتي لا تمتلك حتى الحق في إنزال العقوبات الجسدية الوحشية بالإنسان.  لقد سقطت بيزنطة برأي سولوفيوف لأنّها دولة ادّعت المسيحية واستمرت ببطشها الروماني الوثني القديم، وبشكل خاص العقوبات الجسدية وممارسة أحكام الإعدام.

وعلى أية حال، فإسبانيا في الحقيقة لم ترفض الحضارة، بل رفضت أن تجعل الثقافة الإسلامية الأرفع في ذلك الوقت عذراً لكي تذعن للسلطان الإسلامي وتعتنق ديانته، أي إنها رفضت أن تدفع حريتها الروحية ثمناً للثقافة العالية.  ولعلّ البرهان التاريخي يقف إلى جانب سولوفيوف في هذا الموضع، لأنّه يبرز أنّ رفض إسبانيا لذلك الإغراء كان السبب المباشر في ظهور إسبانيا اللاحق على مسرح التاريخ وامتلاكها هي نفسها ناصية الثقافة الرفيعة بالتوازي مع الحضارة الأوروبية التي وصلت إلى شاهقٍ لم تحلم به الحضارة الإسلامية التي تفتقد من منظوره للفلسفة المستقبلية وللمنظور التقدمي للتاريخ.

يلخّص سولوفيوف رؤيته لمهمة الإمبراطورية الإسبانية من الناحية الروحية-التاريخية حين يعتبر أنّ إسبانيا لم تخن المبدأ المسيحي حين دافعت عن الأرض المسيحية، ولكن الخيانة لهذا المبدأ بات ممكناً بعد التراكم الهائل للقوة.  لا يكمل سولوفيوف شرحه للموضوع في هذه الرسالة، ولكن يمكن التخمين بأن القصد هنا أن التحول إلى الهجوم وإقامة محاكم التفتيش وممارسة استعباد البشر في أماكن أخرى من العالم قد يكون أحد ملامح هذه الخيانة للروح المسيحية، وكما يمكن استشفاف هذا الفهم من رسالته “نيميسيس 3″؛ فسولوفيوف يدين البطش الديني وقتل المختلف.  لقد كان تحرير إسبانيا من وجهة نظره تحريراً لأمة يافعة، هي الأمة الإسبانية، من الموت الروحي.  وكان هدف الحرب مقتصراً على هذه الناحية، أما ما تلا ذلك فقد كان من طبيعة شيطانية (يردّها سولوفيوف إلى عبادة مولوك الفينيقية-القرطاجية التي ورثها سكان أيبيريا منذ زمن بعيد!).  لهذا أيضاً يقدّر سولوفيوف تسامح صلاح الدين حين استولى على القدس وكذلك عادة الفرسان المسيحيين في عدم قتل الأسرى، ويحكم بأنّ أفول قوة إسبانيا كان عقوبة على مسلكها الإجراميّ الذي لا يعترف بالحرية الروحية.

(3)
ومع ذلك، يمكن طرح سؤال آخر من جديد: أليس من المحتمل أن يكون الرفض الإسلامي اليوم للحضارة الغربية مقدمة لإمبراطورية جديدة ترفض الإذعان للحضارة السائدة؟  لو كان سولوفيوف يتّبع نوعاً من الفلسفة الرومانسية لكان ربما أجاب عن هذا السؤال بالإيجاب؛ فالرومانسية تقدّس أحياناً الفعل في ذاته- الدافع المقاوم على سبيل المثال- فكل مقاومة تستحق الإعجاب.  أما عند سولوفيوف فالمقياس يختلف، لأنّ المركزية هنا هي للمبدأ المسيحي الذي يؤدي إلى إزالة الدولة الدينية الشرعية.  وأول التجليات المسيحية في التاريخ هي ظهور المسيح بوصفه شخصاً فرداً يجتمع فيه الإنساني بالإلهي، ليكون مثالاً لما سيأتي- ظهور الشخص الفرد ذي الضمير الحرّ.  إنّ ظهور الشخص الفرد ذي الضمير الحرّ هو الشرط لبناء الإنسانية الإلهية وشرط لظهور المجتمع الروحي-المدني (غير المستعبَد للدولة المطلقة) الحرّ كما ذكرنا سابقاً.  على عكس هيغل الذي يرى في الدولة خلاصة المجتمع المدني وسموه، يرى سولوفيوف في المجتمع المدني تحريراً من الدولة وناصحاً وموجهاً لها، أو مُروحِناً لها.  وبناءً على هذا يمكن القول إنّه حين يكتشف الإنسان فرديته يكون قد اكتسب كينونة جديدة، ودخل أبدياً إلى الزمن الجديد المتمثّل في كينونة جماعية جديدة. وإذا حصل هذا يبدو النكوص نحو الماضي ضرباً من الجنون واللعنة، خيانة كبرى للروح، جحيماً لا يطاق.  فظهور الفرد الشخص ليس مضاداً للجماعة بل هو الشرط اللازم لتكوّن الجماعة الحرة والديناميكية التي تحرِّر من البطش.  إن الصراع الحضاري في جزء جوهري منه هو صراع بين هذين الزمنين- زمن الأبدية الذي لا يحدد المطلق ضمن شكل تاريخي واحد، وزمن اللعنة الذي يسجن الإنسان تحت حكم يعتقد بألوهية ذاته (ضد المسيح).  أما حين يبزغ فجر الفرد على العالم فالزوال مصير الماضي. والويل لمن يقف في وجه الفجر البازغ!  ولهذا فكل فلسفة تبتلع الإنسان بوصفه شخصاً ذا كينونة حرّة للاختيار تنتمي للماضي، للمراحل الأقدم في تطور الوعي البشري وليس مكانها المستقبل.

في القرن الحادي والعشرين لم يعد الصراع المباشر كما في نهاية العصور الوسطى- بين المسيحية والإسلام، فالعالم في جزء كبير منه تجاوز زمن الهوية الدينية الواضحة، واختلطت الشعوب إلى درجة غير مسبوقة.  والصراع اليوم هو بين فلسفة المستقبل وفلسفة الماضي؛ ففلسفة الماضي تنكر في الواقع التاريخ وتنكر العقل والإبداع البشريين (بغض النظر عن الاعتراف اللفظيّ).  فالإبداع الإنساني من وجهة نظر فلسفة المستقبل ضرورة كينونية لا غنى عنها، ومحرّك للتاريخ يجعل التاريخ ما هو عليه حقاً.  ولذلك فاليوم لم يعد الصراع دينياً-أممياً، بل بات صراعاً بين جبهتين تضم كل منهما في صفوفها أشخاصاً وجماعات من مختلف الخلفيات الدينية والثقافية والإثنية، لأنّ المبدأ ارتقى في جزء منه من مستوى الصراع بين أمتين لكل منهما هوية إثنية ودينية واضحة إلى صراع بين جبهتين تضمّ كل منهما أفراداً وأشخاصاً وجماعات صغيرة وأمماً اختارت بملء إرادتها هذا الطريق أو ذاك، من دون تجاهل أنّ الإسلام الأصولي ما زال يشكل ركناً أساسياً (وليس وحيداً) من فلسفة الماضي، وبالتالي في الصراع الحالي والقادم المتعدّد الأشكال.

(4)

ومع اعتبار كل ما سبق، تبقى خطورة هذه القراءة أنها تتجاوز الواقعي لمصلحة الكلي والتاريخي؛ فهل كان القائمون على الحرب مهتمين بالفعل بالحرية الروحية؟ إن نظرة سولوفيوف تحاول قراءة التاريخ من فوق من دون الاهتمام بقصة كل شخص على حدة. ومع عدم إمكانية تجاوز قراءة كهذه، كوننا نرى بأنّ التاريخ لا يكترث بالفعل لكل مشاعرنا الشخصية وبالتالي يبدو بالفعل وكأنه يسير كآلة عملاقة تطحن ما يواجهها، إلا أنه من الضرورة بمكان التقدم نحو قراءات كهذه بحذر ودقة شديدين من دون اندفاع غير إنساني ولا شخصاني نحو تمجيد الحرب والقوة. لقد حاول سولوفيوف تحذير قارئه من الانجراف خلف الحماسة التقدمية والدينية، بإدانته للجريمة الدينية والبطش الديني، ولكن يبقى من الصعب أن يتمكن كل قارئ على حدة من ممارسة هذا التوازن وأن يمتلك براعة المشي على حبل الأفكار.

الإعلان

رد واحد على “فلايمير سولوفيوف، استرداد الأندلس وتقدم التاريخ: لماذا كان سولوفيوف مع الحروب الصليبية؟”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: